قصة سيدنا نوح عليه الصلاة والسلام ، قصص الأنبياء

    سوف نتناول اليوم واحدة من قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهي قصة سيدنا نوح كنا قد تناولنا من قبل قصة سيدنا ادم عليه السلام والتي تتكون من جزئيين منفصلين ويمكنك قراءتهم إذا لم تكن قد قرأتهم سوف أترك لكم روابط القصص بالأسفل كل جزء علي حده.



    إقرأ أيضا ...




    والآن مع قصة سيدنا نوح عليه السلام،،،


    ظل قوم سيدنا نوح يعبدون الأصنام دهرا طويلا واتخذوها إلهة يرجون منها الخير ويستدفعون بها الشر ويردون وينسبون كل شئ في الحياة إليها ، ودعوها بمختلف الأسماء تارة ودا ، وسواع ، ويغوث وتارة يعوق ونسرا وذلك حسب ما يملي عليهم جهلهم ويزين لهم الهوى فأرسل الله تعالي إليهم نوحا عليه السلام وكان رجلا حسن الكلام واللسان واضح البيان رزين الحصاة رزقه الله صبرا علي الجدل وقدرة علي تصريف الحجج وبصرا بمسالك الإقناع فدعاهم سيدنا نوح إلي عبادة الله فأعرضوا فأنذرهم بالعقاب فعموا وصموا ورغبهم في الثواب فوضعوا أصابعهم في أذانهم ولم يسمعوا له واستكبروا ، ولكنه ناضلهم  وجادلهم ثم صابرهم وطاولهم ولم يضعف في إيمانهم رجاؤه ولم يدع اليأس يسلك سبيلا إلي قلبه بل أخذ يفتن في الدعوة ويجاهد في إبلاغ الرسالة فدعاهم ليل نهار إلي عبادة الله وسرا وعلنا ووجه نظرهم إلي سر الوجود وإبداع الكائنات ليلا داج ، وسماء ذات أبراج ، وقمر يسبح وشمس تسطع .



    وهكذا ظل يناضل ويجادل ويقيم الحجج ويبسط البراهين حتي أمنت به جماعة قليلون استجابوا لدعوته وصدقوا برسالته، أما الذين طبع الله علي قلوبهم فلم يؤمنوا وسبقت لهم الشقوة فلم يهتدوا وكانوا من أشراف القوم فقد تمائلوا عليه وتظاهروا علي الاستهزاء به وتسفيه رأيه.


    قالوا له ما أنت إلا بشر مثلنا وواحد منا ولو أراد الله أن يبعث رسولا لبعثه ملكا ولكنا أصغينا لقوله وأطعناه واجبنا دعوته ثم من هؤلاء الأرذال من أوغاد الناس وحثالتهم و أهل الصناعات الخسيسة والحرف الدنيئة الذين صاروا معك واستجابوا لك  من غير أن يفكروا قليلا فيما فعلوه فلو كان خيرا ما سبقنا إليه هؤلاء القوم ، ولو كان حقا ما كنت تقول فنحن أهل الفطنة والذكاء وبدأ الغرور يسيطر عليهم وبدءوا في الجدل وأمعنوا في المراوغة وقالوا: ما نري لك يا نوح ولصحبك علينا من فضل لا في العقل والحجج ولا في بعد النظر ولا في رعاية المصالح ولا معرفة المعاد وخاتمة المطاف.

    فأجابهم نوح: وسفاهة كلامهم لم تصدع صفاة حلمه ولم تضعف رأيه أرأيتم لو أنني كنت علي بينة من ربي وحجة شاهدة بصدق دعواي وأتاني رحمة منه وفضلا فعمي عليكم القصد واشتبه الأمر وحاولتم ستر الشمس بأيديكم فهل أستطيع إلزامكم بشي أو لي سلطانا عليكم.

    قالوا يا نوح ، إن أردت لنا هداية وتوفيقا وأردت منا نصرا وإعزازا فاترك هؤلاء القوم الأوغاد الذين أمنوا بك فأقصهم عن حظيرتك وانبذهم عن حماك فإننا لا نستطيع أن نجري في عنانهم أو نسير علي خطاهم أو نضع رؤوسنا برؤوسهم وكيف نستجيب لدين يستوي فيه الشريف و المشروف والسيد والعبد.

    قال لهم نوح عليه السلام إنها دعوة عامة شاملة لكم جميعا يستوي فيها نبيهكم وخاملكم مشهوركم ومغموركم ، الأغنياء منكم والفقراء ، السادة منكم والعبيد ، فإذا حققت لكم مطلبكم وطردتهم فمن أعتمد عليه في نشر الدعوة وتأييد الرسالة؟ وكيف أطرد قوما نصروني وقد لقيت منكم الخذلان ؟ وما صادفت منكم إلا الجحود والنكران وهم ما برحوا قواما علي الدين داعين الله .

    ثم كيف يكون حالي معهم بين يدي الله إذا خاصموني وحاجوني وشكوا إلي الله أني قابلت خيرهم بالجحود ألا أنكم قوما تجهلون؟



    ولما اشتد بينه وبينهم الجدل وكبرت مسافة الخلاف سئموا منه وضاقت صدورهم وقالوا { يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}.

    فإستهزء بهم سيدنا نوح وقال ، إنكم تسرفون في الجهل وتغرقون فيه ومن أنا حتي أتيكم بالعذاب أو أصده عنكم؟ وهل أنل إلا بشرا مثلكم يوحي إلي أنما إلهكم اله واحد فأبلغكم ما أمرت به وأبشركم بالثواب مرة ، وأنذركم بالعذاب أخري؟ إنما كل شئ يعود إلي الله وبيد الله وحده إن شاء فهداكم و إن شاء فأذاكم و إن شاء أملي لكم ليزيد في عتابكم ويمعن في النكاية بكم.

    ورزق الله الأنبياء صبرا علي الإيذاء وجلدا علي الخصام ، ونوح كان من أولي العزم من الرسل ، مكث في قومه ألف سنه إلا خمسين عاما ، صابرا علي أذاهم صامدا لاستهزائهم يرصد فيهم بريق الأمل ويشم منهم بارق الإيمان ولكنهم كانوا يزدادوا عناد وبغضا وما بلغت دعوته منهم إلا كرها وغضبا ، فعاد حبل الرجاء باليا ووجه الأمل أسود كاحلا.

    لجأ سيدنا نوح عليه السلام إلي الله تعالي مستعينا به ومهتدي بنوره في هؤلاء القوم الذي عجزت فيهم حيلته ويكاد الأمل ينقطع في إيمانهم فأوحي الله إليه { إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد امن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون}.

    ولما رأي نوح أن الله قد حقت كلمته وقضي وحيه أنه لن يؤمن احد بعد وأن قلوبهم قد قفلت تماما ونفذ صبره منهم قال {رب لا تذر علي الأرض من الكافرين ديارا أنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا}.
    فاستجاب الله دعاء سيدنا نوح و أوحي له أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون فاتخذ مكانا قاصيا عن المدينة وأعد الألواح والمسامير وأخذ يعمل نوحا ولكنه لم ينج من سخرية القوم واستهزائهم.




    وقال بعضهم" إنك يا نوح كنت تزعم قبل اليوم أنك نبي ورسول ، فكيف أصبحت اليوم نجارا أزهدت في النبوة أم رغبت في النجارة " وقال غيرهم : ما بال سفينتك تصنعها بعيدة عن البحار والأنهار !أأعددت الثيران لجرها أم كلفت الهواء حملها ؟ ولكنه لم يبالي بكلامهم وظل يعمل ويصنع السفينة .
    فمر كريما قال { إن تسخروا منا فأنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم}.

    وانصرف إلي السفينة يقيم ألواحها ويوصل أجزائها حتي استوت السفينة كاملة ، وانتظر نوح أمر ربه فأوحي إليه إذا جاءنا أمرنا وظهرت آياتنا فاعمد إلي سفينتك وخذ معك من أمن من قومك واحمل معك من كل زوجين أثنين حتي يبلغ أمر الله.

    وتفتحت أبواب السماء بالماء وتفجرت عيون الأرض وبلغ السيل الرابية فهرع نوح إلي السفينة وحمل ما أمر الله بحمله من الإنسان والحيوان والنبات  ، وسارت باسم الله مجراها ومرساها ، مرة هي في رياح خفيفة ومرة في رياح عتية قوية والأمواج تتفتح بين طياتها للكافرين قبورا والزبد يخيط لهم أكفانا يغالبون الموت والموت يغلبهم ولكن الموج يغالبهم حتي غلبتهم الأمواج ودفنوا فيها.

    وقف نوح فوق ظهر السفينة فوجد ابنه كنعان وكانت شقوة الله قد غلبت عليه فاعتزل أباه ولم يؤمن به ورغب عن دينه وظل يعبد الأصنام  ويحاول أن يعتصم بجل يؤيه ويحميه من المياه ولم يكن يدري أنه لا عاصم اليوم من أمر ربه ، ولكن نوح الأب لان قلبه ورق كبده وأحب أن يساعد ابنه فناد عليه لعل نداءه يفيد ويستمع إليه الولد ويصل نداءه إلي مكان قلبه فيؤمن أو يلمس ناحية الشعور فيه فيذعن: إلي أين يا بني؟

    إنك تفر من قضاء الله إلي قضاء الله تعال إلي السفينة معنا مؤمنا يلتئم شملك بأهلك وتنجو ببدنك وحياتك { يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين}.

    ولكن هذه الكلمات لم تصل إلي قرار وجدانه ولم تلين قلبه وظل في عناده وكبريائه وحسب أنه قادر علي النجاة بنفسه أن الجبل سوف يحميه من أمر الله ويفلت من يد القدر فقال إليك عني فإني{ساوي إلي جبل يعصمني من الماء}.



    قال نوح وقد أحزنه الهم وغلبه الحزن : يا بني أنه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم.
    ثم فصل بينهم الموج وحجز السيل ولم يعد يري ابنه فلذة كبده وحشاشة قلبه ، فاتجه إلي الله ملجأ الملهوف وغوث الحق وقال " ربي إن ابني من أهلي وقد وعدت ووعدك الحق أنك تنجيني ومن أمن من أهلي وأنت أحكم الحاكمين".

    فأوحي الله إليه يا نوح " إنه ليس من أهلك ولا من خاصة عشيرتك فقد سبقت له الشقاوة وحقت عليه كلمة الكفر فلا تعد من أهلك إلا من أمن بك وصدق برسالتك واستجاب دعوتك ، فهذا الذي تعده حقا من أهلك وهو الذي وعدتك بنجاته { وكان حقا علينا نصر المؤمنين}.

    أما من لم يؤمن بك وبرسالتك وكذب بكلمات الله فإنه خارج من أهلك وإن كان بينك وبينه رحم ماسة أو نسب جامع ، ولو اعتصم بجبل فهو سوف يلاقي نصيبه من عذاب ربه وجزائه علي ما فعله وكذب به فإياك أن تسألني عن شئ لا تدركه أو لا تعلمه { إني أعظك أن تكون من الجاهلين}.

    وحينئذ أدرك نوح إن العطف والحنية الأبوية أزهقته عن الحق والإشفاق علي ابنه ستر عنه الصواب و كان المفروض أن يبسط يديه شكرا لله علي ما خصه به وبالمؤمنين معه من النجاة .

    ولما بلغ الشوط غايته وطويت صحيفة القوم الظالمين كفت السماء وابتلعت الأرض الماء ورست السفينة علي جبل الجودي ، وقيل بعدا للقوم الظالمين.

    وقيل لنوح عليه السلام { اهبط بسلام إلي الأرض أنت ومن أمن معك من قومك تحفكم البركة وتشملكم عناية الله.
              
    شارك المقال

    مقالات متعلقة

    إرسال تعليق