قصة سيدنا أدم عليه السلام ، أبو البشر {2} – قصص الأنبياء

    سوف نستكمل اليوم في هذه القصة الجزء الثاني من قصص الأنبياء وقصة سيدنا أدم عليه الصلاة والسلام ، أبو البشر وكنا في الجزء الأول قد استعرضنا خلق سيدنا ادم وتعليمة وتكريمه من الله وجعل الملائكة تسجد له وسجدوا إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين ثم عاقبه الله علي عصيانه وأيضا سيدنا أدم أخرج من الجنة وهبد علي الأرض .




    والآن مع الجزء الثاني من القصة :-  
            
    بدأ نظام الحياة يستكمل حينما تهيأت حواء لتستقبل أولادها أول زهر تفتح في رياض الإنسانية وأول نفحة من نفحات البشرية وبهم تسعد وتفرح مع زوجها أدم ، وقد كان شديدي الحب والشغف أن يريا فلذات أكبادهم علي وجه الأرض فتمتلئ جوانب الأرض بنسلهما ، يمشون في مناكبها ويأكلون من رزق الله ولقد كان سيدنا أدم حفيا بأولاده وحواء مستبشرة بقدومهم رغم ما تحملت من أوجاع وألام وهي لزام علي الأم دائما في هذه الحالات . 

    ولادة قابيل وأخته ، وهابيل وأخته.                     


    وضعت حواء توأمين قابيل وأخته ، وهابيل وأخته، وكبر الأخوة في رعاية الأبوين، حتي ملأتهم نضارة الحياة وقوة الشباب فنزعت البنتان إلي منازع النساء وانطلق الولدان يضربان في الأرض بحثا عن الرزق، وابتغاء للخير فكان قابيل من زراع الأرض وكان أخوة من رعاة الغنم.
    ولان للأخوين مهاد الحياة وسهل عيشها وانتشر السلام والرواق والأمان علي هذه الأسرة السعيدة وعلي امتداد الزمن وتتابع فسحة الأجل قويت في الأخوين غرائز الرجولة ومال كل منهما إلي أن تكون له زوجة ليسكن إليها ويطمئن بصحبتها وتعلقت نفسه بذلك الأمل الحلو المعسول ، وراحت تتفقده وتتلمس كل سبيل حتي تدركه ، وإرادة الله جلت حكمته قضت منذ الأزل إن يمتحن بنو أدم علي ظهر البسيطة فيكثر المال والبنون وتأخذ الأرض بهجتها وتزين كما جري القدر ألا يكون الناس أمة واحدة ، بل لابد من التكاثر والتباين في الرأي والمنزع والنوع والخلقة والسعادة والشقاء، فأوحي الله تعالي إلي أبي البشرية سيدنا أدم عليه السلام أن يزوج كل فتي من فتيانه بتوأم أخيه.
    بهذا أفضي سيدنا ادم إلي أبنائه راجيا أن يكون قوله الفصل ولولا جموح النفس البشرية وانسياقها اليم هاوي البوار والخسران لكان للأب ما تمني.

    زواج قابيل وهابيل من توأميهما.

    بعد أن أسر أدم مكنون صدره إلي ولديه ثار قابيل ولم ينزل علي إرادة أبيه لأن نصيبه أقل جمالا من نصيب أخيه فنفس عليه ولم يرض بالقسمة وود لو تكون توأمته من نصيبه دون أخيه، وقد كان الجمال الخلقي وما زال ريحا هوجاء تتقاذف النفس البشرية وقد توردها موارد الحتف والهلاك.
    كان الجمال سببا للشقاق فجمع أحدهما عن طاعة أبيه ونقص ما كان قد أبرم وفصم ما كان قد أحكم، هبت علي الأب رياح عاصفة وما دارت يوما في خلده ولا حسبانه وتوزعت نفسه بين رغبة ابنيه والإبقاء علي السلام بينهما والأمان إلي أن هداه الله إلي مخرج يسد به مهب الريح فطلب منهما أن يقرب كل واحد قربانا إلي الله فأيهما تقبل قربانه كان أحق بما اشتهي وأراد.
    فقدم هابيل جملا من أنعامه وقدم قابيل قمحا من زراعته وكل منهما يترقرق في صدره فيض الأمل راجيا أن يظفر بقصب السبق ، وكان هابيل موفور الحظ موفق الخطوات ، فتقبل قربانه ولم يتقبل قربان أخيه لأنه لم ينزل علي حكم أبيه ولم يخلص النية في قربانه.

    تدبير وتوعد قابيل علي قتل أخيه هابيل.                     

    بعد ذلك انطفأ أمله ، وزادت شروره تجاه أخيه فتوعد أخله وقال أقتلنك حتي لا أصاحبك  شقيا وأنت سعيد ولا أواخيك مبسوط الأمل وأنا مضطهد العاطفة كاسف البال.
    فقال هابيل لأخيه ، والحسرة تقطع فؤاده : كان أولي لك يا أخي ثم أولي أن تتعرف موضع الداء فتحسمه ، وأن تتحري مسالك السلامة فتنبعث إليها لأن الله لا يتقبل إلا من المتقين، وكلن هابيل رجلا رزقه الله بسطه في العقل والجسم من الذين حملوا الأمانة فصانوها ووهبوا الحكمة فاجلوها يؤثر رضا الله ويتعشق طاعة الأبوين ويرضي بقسمة ربه ويري أن الحياة متاع زائل وكان شديد الإشفاق علي أخيه دائم النصح له وكان ذلك يريه في نفسه قوة من قوة الله فكان لا يخاف تهديد قابيل.
    ترك الأمور تسير كما هي وكما كتبت وسطرت من الله تعالي ، وما تعلقت مشيئته بسوء لأخيه ولا امتلأت نفسه بأذى لأن الله الذي خلق الطهارة طبعه عليها يوم طبع فهو يخاف الله رب العالمين ، واتجه بعد ذلك هابيل بالنصح إلي أخيه لعل كلماته يكون فيها الشفاء فتنزع داء الحقد من قلب أخيه فقال: يا أخي إنك ثائر إنك الجائر مائل عن طريق الصواب أثم في عزمك بعيد عن جادة الحق في رأيك فأولي لك إن تستغفر الله أن ترجع عن غيك أما إذا عقدت عزمك وكن في تدبيرك ماضيا لا محالة فأني لأترك الأمر لله مخافة أن يلحقني إثم أو يتعلق بنفسي أثر العصيان فتحمل وحدك الإثم فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين.
    لم تكن الأخوة شفيعه أمام ذلك الحقد المتقد في صدر قابيل ولم يكن مبعث الحنو والرحمة والعطف ليهدئ من ثورة ذلك البركان الثائر ، ولم تكن مخافة الله أو رعاية حقوق الوالدين رادعة لتلك النفس التي كانت أول من أجرم علي ظهر البسيطة من الناس.

    قتل هابيل علي يد قابيل:

    وفي ساعة من ساعات الفلك الدائر ولنزوة حقيرة من نزوات النفس الجامحة وقعت الواقعة فراح هابيل قتيلا بيد أخيه قابيل فريسة الحمق والجهالة والغرام.
    تأخر عودة الأخ النضير وانطفأ مصباحه وغاب عن الأفق الذي كان يطالع أباه فيه فاستوحش أدم وراح يتفقد ابنه هابيل لعله يقف له علي أثر ، فسأل أخوه قابيل عن أخيه فرد ردا ملئه الخفة والطيش وقال ما كنت عليه وكيلا أو راعيا أو حفيظا ، لكن أدم عرف بعد إن ابنه قد قتل فسكت علي هم وتبريح ، وكبت وكتم في نفسه تلك الشعلة التي هاجت حزنا علي فقيده وإشفاقا علي أخيه:

    أقول للنفس تأسى وتعزيه    أحدي يدي أصابتني ولم ترد

    قابيل لا يعرف كيف يواري جثة أخيه.

    ولقد كان هابيل أول من قتل علي ظهر الأرض وما عرف قابيل كيف يواري سوءة أخيه فحمله في جراب علي ظهره وظل مضطربا حائرا قلق النفس ملتاع الفؤاد ، كيف لا وقد غدت نفسه ميدانا تختصم فيه الحفيظة والعاطفة فبات معذبا نابي المضجع ، موسد الهم والحزن والعار.


    ظل قابيل يحمل أخاه ويسير ولا يعرف ماذا يفعل وكيف يتدبر الأمر وكيف السبيل ، وكانت هنا لابد أن تهبط رعاية الله لحق تلك الجثة الطاهرة وسنا لدستور الخليقة علي كرامة أدم وولديه وكذلك لابد أن يكون درس لذلك الغر وما هو بأهل لوحي الله ولا  إلهام الله تعالي بل لابد أن يكون تلمذا لغراب  فأرسل الله تعالي غرابين فاقتتلا وقتل احدهما الأخر  ثم حفر له بمنقاره وواري حثته تحت التراب هنا استشعر الندم والحسرة فقال { يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي }.
    والي هنا نكون انتهينا من الجزء الثاني من قصة سيدنا ادم عليه الصلاة والسلام والتي تم عرضها في جزئيين منفصلين وسوف نقوم إن شاء الله تعالي بعرض باقي سلسلة قصص الأنبياء في هذه المدونة بالتفصيل في مقالات محددة ومنفصلة لكل نبي.

    شارك المقال

    مقالات متعلقة

    إرسال تعليق