قصة سيدنا أدم عليه السلام ، أبو البشر {1} – قصص الأنبياء


    أحبائي في الله سوف نقوم بسرد قصة سيدنا أدم عليه الصلاة والسلام أبو البشر وجميع قصص الأنبياء إن شاء الله وسوف تجدوها جميعها في هذا الموقع وتحديدا هذا القسم نرجو منكم طيب القراءة والتعليق ، والاستفادة القصوى حفظكم الله.

    الآن مع القصة:  
                                                           

    خلق الله تعالي الأرض في يومين وجعل فيها رواسي وثوابت وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ، ثم استوي إلي السماء وهي دخان فقال لها ولأرض ائتيا طوعا أو كرها ٌ قالتا : أتينا طائعين.
    ثم استوي علي العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمي ، ثم خلق ملائكته الذين يسبحون بحمده ويقدسون اسمه ويخلصون في عبادته.
    ثم شاءت ارداته تعالي واقتضت حكمته خلق أدم وذريته ليسكنوا الأرض ويعمروها فأنبا ملائكته أنه سينشئ خلقا أخر يسعون في الأرض ويمشون في مناكبها وينتشر نسله في أرجائها فيأكلون من نبتها ويستخرجون الخيرات من باطنها ويخلف بعضهم بعضا فيها.
    والملائكة خلق اصطفاهم الله تعالي لعبادته وتسبيحه ، وأسبغ عليهم نعمته وحباهم بفضله ووفقهم في رضاه وهداهم إلي طاعته فأدهم أن يخلق الله خلقا غيرهم، وخافوا أن يكون ذلك لتقصير وقع منهم، أو المخالفة كانت من أحدهم ، فأسرعوا إلي تبرئة أنفسهم وقالوا: كيف تخلق غيرنا، ونحن دائبون علي تسبيحك وحمدك وتقديس اسمك ؟ علي أن هؤلاء تستخلفهم في الأرض لابد أن يختلفوا علي ما فيها من منافع ويتجاذبوا ما بها من خيرات فيفسدوا فيها ويسفكوا الدماء غزيرة ويرهقوا أرواح طاهرة بريئة (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) قالوا ذلك رغبة فيما يزيل شبهتهم وينزع الوسواس من صدورهم وامتد رجاؤهم إلي الله أن يستخلفهم في الأرض لأنهم أسبق إلي رعاية نعمته، وأولي معرفة بحقه ولم يكن سؤالهم ذلك إنكارا لفعله ولا شكا في حكمته ولا تنقصا لذريته أو خليفته لأنهم أولياء المقربون وعباده المكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
    أجابهم الله بما أطمأنت له قلوبهم وثلجت به صدورهم  فقال: ( إني اعلم مالا تعلمون) وأعرف من حكمة استخلافه ما لا تدركون فسأخلق ما أشاء أستخلف من أريد وسترون بعد ما خفي عليكم واستتر عنكم، ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين).


    سوي لله تعالي سيدنا أدم من طين من صلصال من حمل مسنون ، ثم نفخ فيه من روحه فسرت فيه نسمة الحياة وصار بشرا سويا.
    ثم أمر الله الملائكة أن يسجدوا لأدم ، فاستجابوا لربهم خاضعين وأقبلوا علي أدم معظمين وسجدوا له إلا إبليس فقد خالف أمر ربه وانحاز الي  معصيته وأبي واستكبر وكان من الكافرين.
    سأل الله إبليس عن سبب امتناعه فقال ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العاليين).
    فزعم أنه خير من أدم عنصرا وأذكي منه جوهرا ، وظن أن لا أحد يباريه في علو قدره، ولا يستشرف إلي سمو مكانته ،وقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.
    جهر إبليس بالعصيان وأقر بالمعصية والمخالفة والبهتان واستكبر عن أمر ربه واستنكف أن يسجد لمن خلقه بيده فصار من الكافرين.
    فجازاه الله علي عصيانه وعاقبه علي مخالفته وناداه قائلا له ( فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلي يوم الدين).
    سأل إبليس ربه أن ينظره إلي يوم الدين وأن يمد له في الحياة حتي يوم يبعثون فأجاب الله سؤاله وقال له ( فإنك من المنظرين إلي يوم الوقت المعلوم).
    ولما استجيب سؤاله وتحققت رغبته لم يشكر الله فضله ، بل قابل نعمته بالجحود والنكران والكفران وقال ( فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم) ، مترصدا لغوايتهم، جاهدا في إضلالهم ( ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين).
    طرد اله إبليس من الجنة ومد له في أمله وقال له امض في سبيلك الذي اخترته وسر في طريق الشر الذي أرادته ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك ، وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد) . وعدهم المواعيد الكاذبة ومنهم الأماني البعيدة فلن أخلي بينك وبيم من صحت عقيدته وقويت عزيمته من عبادي المخلصين، ولن أجعل لك عليهم سلطانا فقلوبهم منصرفه وأذانهم لقولك غير مصغية.
    أما من اعتزمته من إغواء الناس وفتنتهم فحسابك عليه عسير وجزاؤك علي اقترافه عظيم ولأملان جنهم منك وممن تبعك منهم أجمعين.

    سجدوا الملائكة لأدم فاعرفوا بفضله وأقروا بأنه خير منهم مقاما وأقرب منهم إلي الله مكانا ولعلهم قد ظنوا أنهم ربما كانوا أغرز منه علما وأكثر من دراية وفهما لذلك أتاه الله من علمه وأفاض عليه من نوره وعلمه أسماء الكائنات كلها ثم عرض هذه الكائنات علي الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، ليظهر عجزهم ويستبين قصور علمهم ويعرفوا أن حكمة الله قد اقتضت أن يكون أدم أولي بذلك وأجدر وأن خلافته أحق لا تنكر.
    بهتوا  لما ووجهوا له وسقط في أيديهم حينما حاولوا البحث في طوايا نفوسهم،وأرادوا الرجوع إلي سابق علمهم فلم يجدوا الي الجواب سبيلا فاقروا بعجزهم واعترفوا بقصور علمهم ( وقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم).
    ولما كان أدم قد اغترف من فيض ربه واقتبس من نور علمه ، أمره الله تعالي أن ينبئهم بما عجزوا عن معرفته ويخبرهم بما قصرت مداركهم هن علمه ، فأخبرهم سيدنا أدم بما عجزوا عنه  فناداهم ربهم ( ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون).
    حينئذ تبينوا فضله وأدركوا سر خلقه وظهرت لهم حكمة استخلافه وأذاق الله إبليس بأسه  وسلبه نعمته وأقبل علي أدم فأسكنه وزوجه الجنة ، وأوحي إليه أن اذكر نعمتي عليك فإني خلقتك ببديع فطرتي وسويتك بشرا علي مشيئتي ونفخت فيك من روحي و أسجدت لك ملائكتي، وأفضت عليك قبسا من علمي، كافأتك بالإحسان وخلدتك في الجنان وإن تركت عهدي أخرجتك من داري وعذبتك بناري ثم لا تنس أن إبليس هذا عدو لك ولزوجك ، فلا يخرجنكما من الجنة فتشقي.
    أباح الله تعالي لسيدنا أدم وزوجه أن يأكلا من الجنة رغدا حيث شاء وأطلق لهما العنان في اجتناء ما يريدان من ثمارها ونهاهما أن يقربا شجرة من بين أشجارها الكثيرة ، وتعهدهم بدخولهم في زمرة الظالمين لو قربا من ثمارها ، ووعده أن يمد لهما في أسباب النعيم لو اجتنبا هذه الشجرة فلا يمسهم في الجنة جوع ولا عري ولا ينالهما ظمأ ولا نصب فقال(يا أدم اسكن أنت و زوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين).
    سكن سيدنا ادم الجنة وصار  يتمتع فيها من كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين واستمتع هو وزوجه بالجنة وما فيها ، حر ذلك في نفس إبليس وعز عليه أن ينعم أدم وزوجه بما ينعمان به ، وهو مطرود من رحمة الله مبعد عن جنته فعزم علي أن يسلبه نعمته ، أليس هو الذي أنزله من عليائه ، أبعده عن نعمة الله وفضله ورضاه ، واستبان بسببه جحوده ونكرانه فليقد علي الثأر لنفسه فدلف إلي الجنة وحدثه في سر وخفاء وأوهمه بأنه صادق الود مخلص في النصح ثم جد في استمالته فلم يترك سبيلا إلا طرقه ، أو بابا إلا دخله وأظهر له ولزوجه عطفه عليهما وإشفاقه من زوال نعمتهما، فقال( ما نهاكم ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونت ملكين أو تكونا من الخالدين).
    ولما لاحظ منهما مجافاة لرأيه وبعدا عن مشورته و رأي أن أذانهما صمت عن سماع صوته والإصاخة إلي نصيحته ،  أقسم لهما أنه من الناصحين لا يقصد إلي ضررهما ، ولا يريد النكاية يهما ، ليؤكد صحة قصده وصواب رأيه ولا شك أنه أكثر وألح وتمادي في إغوائه ، وحاول إقناعه بطيب ريح تلك الشجرة وبديع طعمه وحسن لونها فاغترا بقوله وافتتنا بزخرف لفظه ، ومعسول وعده وتابعا رأيه وزلا بإغوائه.


    فلما خرجا عن أمر ربهما سلبهما نعمته وحرمهما جنته وناداهم ربهما ( ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين).
    أنابا إلي الله وندما علي فعلتهما و ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وغن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين قال أهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلي حين).
    تاب الله عليهما وغفر لهما زلتهما فأثلج ذلك صدرهما وقرت به عينهما ، وانبثق الأمل في نفسهم بالبقاء في الجنة والتمتع بنعيمها ، وقد علم الله ما جال بخاطرهما ووقف علي ما تتطلعت إليه نفسهما فأمرهم بالهبوط منها ، وأنبأهم إن العداوة بينهما وبين إبليس ستظل قائمة ليحذرا فتنته ولا يصغيا إلي إغوائه فقال ( اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدي فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقي).
    فجعل له مأربا في الحياة وأملا يسعي إلية وأخبره انه قد أنتهي طور النعيم الخالص والراحة التامة وانه بعد خروجه من الجنة وحرما منها نعيمها قد دخل في طور له فيه طريقان هدي وضلال وإيمان وكفر ، وفلاح وخسران ، فمن اتبع هدي الله الذي شرعه وسلك الصراط المستقيم الذي حدده فلا خوف عليه من وسوسة الشيطان وإغوائه ومن أعرض عن ذكر الله وحاد عن سبيله فسيكون له معيشة ضنكا وسيكون من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا .

    شارك المقال

    مقالات متعلقة

    إرسال تعليق